الغزالي

87

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

وأعظم فساد ينشأ في دولة الملك يكون من أمرين : أحدهما من الوزير الخائن ، والثاني من نية الملك الرديئة الفاسدة . قال أنوشروان : شر الوزراء من جرأ السلطان على الحرب ، وجرأه على القتال في موضع يمكن أن ينصلح الحال بغير حرب ؛ لأن الحرب في سائر الأحوال تفني ذخائر الأموال ، وفيها تبذل كرائم النفوس ومصونات الأرواح . وقال أيضا : كل ملك كان وزيره جاهلا فمثله كمثل الغيم الذي يبدو ويظهر ، ولا يندي ولا يمطر . حكمة : في كتاب وصايا أرسطاطاليس : كل أمر ينقضي على يد غيرك بلا حرب ولا خشونة فهو خير ممّا تقضيه بيدك . وترتيب الوزراء أنهم متى أمكنهم أن يحاربوا بالكتب فليحاربوا ، وإن لم تتأت الأمور بالاحتيال والتدبير ، فليحتالوا في تأتيها بعطاء الأموال وبذل الصلات والنوال . ومتى انهزم عسكر عفوا عن جنود الجند ولا يستعجلوا بقتلهم ؛ لأنه قد يمكن قتل الأحياء ولا يمكن إحياء القتلى ، فإن الرجل يصير رجلا في أربعين سنة ؛ ومن مائة رجل يكون رجل يصلح لخدمة الملوك . وإن أسر أحد من الجند من أصحاب الملك ، كان على الوزير أن يفكّه ويفديه ويخلّصه ويشتريه ، ليسمع الجند بصنيعه فتقوى قلوبهم إذا باشروا حروبهم . وعلى الوزير أن يحفظ أرزاق الجند كل إنسان على قدره ، وأن يدرّب الرجال الشجعان بآلات الحرب ، وأن يخاطبهم بأحسن كلام ، ويلين لهم في الخطاب ، ويلطف بهم في الجواب ، فإن الجند قد قتلوا كثيرا من الوزراء في قديم الأيام ، وسالف الأعوام . ومن سعادة السلطان ويمن طالعه وتوحّده أن يسهل اللّه له وزيرا صالحا ، ومشيرا ناصحا . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أراد اللّه بأمير خيرا قيض له وزيرا نصيحا صادقا صبيحا ، إن نسي ذكره وإن استعان به أعانه » « 1 » . قال مؤلف الكتاب : إن اللّه سبحانه وتعالى يظهر قدرته في كل حين وزمان ، ووقت وأوان ،

--> ( 1 ) سنن أبي داود [ جزء 2 - صفحة 146 ] رقم 2932 ونصه : عن عائشة قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أراد اللّه بالأمير خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه ، وإذا أراد اللّه به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه » .